صديق الحسيني القنوجي البخاري
13
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ أي اذكر ، وتعليق التذكير باليوم ، مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد ، كما مر مرارا وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ غلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيها على أنها جميعا مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة ، أو لأن من يعبد من لا يعقل ، أكثر ممن يعبد من يعقل منها ، فغلبت اعتبارا بكثرة من يعبدها ، وقال مجاهد ، وابن جريج : المراد الملائكة والإنس والجن ، والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد ، وقال الضحاك وعكرمة والكلبي : المراد الأصنام خاصة ، وأنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم ، فإن اللّه سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة ، وقيل عام و ما يتناول العقلاء وغيرهم ؛ لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم . فَيَقُولُ اللّه تعالى إثباتا للحجة على العابدين ؛ وتقريعا وتبكيتا لهم أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والمعنى إن كان ضلالهم بسببكم ؛ وبدعوتكم لهم إلى عبادتكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ أي طريق الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل به على الحق والتدبّر فيما يتوصل به إلى الصواب قالُوا أي المعبودون مستأنفة جواب سؤال مقدر ، ومعنى سُبْحانَكَ التعجب مما قيل لهم ، لكونهم ملائكة أو أنبياء معصومين ، أو جمادات لا تعقل ، أي تنزيها لك . ما كانَ يَنْبَغِي وقرىء مبنيا للمفعول قال ابن خالويه : زعم سيبويه أنها لغة ، أي ما صح ولا استقام لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ أي متجاوزين إياك مِنْ أَوْلِياءَ فنعبدهم فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك ، والولي يطلق على التابع كما يطلق على المتبوع ، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور نَتَّخِذَ مبنيا للفاعل وقرىء مبنيا للمفعول . والمعنى أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك ، وقال أبو عبيدة : لا تجوز هذه القراءة وبه قال أبو عمرو بن العلاء ، وعيسى بن عمر ؛ لأنه سبحانه ذكر مِنْ مرتين ، ولو كانت صحيحة لقال أن نتخذ من دونك أولياء أي لحذفت من الثانية ، وقيل إنها زائدة ، ثم حكى عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان فقال : وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وفي هذا ما يدل على أنهم هم الذين ضلوا السبيل ، ولم يضلهم غيرهم ، والمعنى ما أضللناهم ؛ ولكنك يا رب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم ، ووسعت عليهم الرزق ، وأطلت لهم العمر ، حتى غفلوا عن ذكرك ، ونسوا موعظتك ، والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك ، وغرائب